الغزالي

141

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ « 1 » . وصفه بالعظم لأنّه أعظم المخلوقات ، وقد تحقق صلّى اللّه عليه وسلّم بالتوكّل كما أمر ، ولذا سمي في التوراة وغيرها بالمتوكّل . كيف والتوكّل فرع التوحيد والمعرفة ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم سيّد الموحّدين ، ورأس العارفين ، ولا ينافي التوكّل الأخذ في الأسباب كما قد يتوهّم ، بل هو أيضا مأمور به . فقد قال له صلّى اللّه عليه وسلّم أعرابي : أأعقل « 2 » ناقتي أم أتركها وأتوكّل ؟ فقال : « اعقلها وتوكّل » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو توكّلتم على اللّه حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا » أي جياعا « وتروح بطانا » أي شباعا . فأشار بقوله : « تغدو » إلى التسبب . حكاية : التقى إبراهيم بن أدهم وشقيق البلخي بمكة ، فقال له إبراهيم : ما بدء أمرك الذي بلّغك هذا ؟ قال : مررت ببعض الفلوات « 3 » فرأيت طيرا مكسور الجناحين في فلاة من الأرض ، فقلت : أنظر من أين يرزق هذا ؟ فقعدت بحذائه ، فإذا أنا بطير قد أقبل في منقاره جرادة فوضعها في منقار الطير المكسور الجناحين ، فقلت لنفسي : إن الذي قيّض « 4 » هذا الطير لهذا الطير قادر أن يرزقني حيث كنت ، فتركت التكسّب ، واشتغلت بالعبادة ، فقال إبراهيم : ولم لا تكون أنت الطير الصحيح الذي أطعم الطير العليل حتى تكون أفضل منه ؟ أما سمعت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « اليد العليا خير من اليد السفلى » ؟ ومن علامة المؤمن أن يطلب أعلى الدرجتين في أموره كلّها حتى يبلغ منازل الأبرار . فأخذ شقيق بيد إبراهيم فقبّلها وقال : أنت أستاذنا يا أبا إسحاق . ثم إذا تسبّب الإنسان فليجتهد أن لا ينظر إلى أسبابه ، ولا يقف عندها ، بل يجعل مولاه مطمح نظره ، ومرمى « 5 » قصده ، كالسائل يقصد الناس بوعاء في يده ، ولا ينظر إليه ، وإنّما ينظر إلى الذين يعطونه .

--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 129 . ( 2 ) أأعقل : أربط ناقتي من عناقها . ( 3 ) الفلوات : جمع فلوة وهي الأرض الخالية من الناس . ( 4 ) قيّض : قدّر وهيأ . ( 5 ) مرمى : هدفه ومطلبه .